متى صارت المرونة مطلبًا دائمًا؟
في أغلب بيئات العمل اليوم، هناك صفة واحدة تُمدح أكثر من غيرها:
المرونة.
أن تتأقلم بسرعة.
أن تستوعب التغيير.
أن “تمشي الأمور”.
أن لا تتذمر كثيرًا.
أن تجد طريقة.
المرونة تُقدَّم كقيمة جميلة، شبه أخلاقية.
لكن قلّما نسأل: ماذا يحدث عندما تتحول هذه القيمة إلى واجب دائم؟
المرونة كمديح… لا كخيار
في الوصف الوظيفي، في التقييم السنوي، في الاجتماعات غير المعلنة،
يُمدَح الشخص الذي “يتأقلم”.
يقبل تغيّر الأهداف في منتصف الطريق
يستوعب ضغطًا إضافيًا “مؤقتًا”
يعمل بوضوح ناقص
ويُطلب منه أن يكون متفهمًا
ليس لأنه اختار ذلك،
بل لأن هذا ما يُنتظر منه.
المرونة هنا لا تُعرض كخيار واعٍ،
بل كحدٍّ أدنى للسلوك المقبول.
متى يصبح التأقلم محوًا للذات؟
التأقلم بحد ذاته ليس مشكلة.
المشكلة حين يصبح هو الرد الوحيد المتاح.
حين لا يكون السؤال:
هل هذا منطقي؟
بل: كيف أتعامل؟
حين لا يُكافأ الوضوح،
بل يُكافأ من يستطيع العمل بدونه.
حين يتحوّل “أنا متفهم”
من موقف إنساني
إلى عادة دفاعية.
هنا، لا نتحدث عن مرونة،
بل عن ذوبان تدريجي.
لماذا يُمدَح من يتأقلم دائمًا؟
لأن التأقلم يُريح النظام.
الشخص المرن:
لا يطلب تفسيرًا طويلًا
لا يعطّل الإيقاع
لا يُحرج الإدارة بأسئلة “ليش”
ولا يحتاج إعادة تصميم
هو يعمل… مهما تغيّر السياق.
وهذا بالضبط ما يجعل المرونة مطلوبة دائمًا،
حتى حين تكون مكلفة نفسيًا.
الفرق بين المرونة والذوبان
المرونة الحقيقية:
لها حدود
مؤقتة
واعية
ويمكن التراجع عنها
أما الذوبان:
فهو مستمر
غير معلن
يحدث بصمت
ويُسمّى “نضجًا مهنيًا”
الفرق بينهما ليس في النتيجة الخارجية،
بل في ما يحدث داخليًا.
high achievers… ولماذا يقعون في هذا الفخ؟
الأشخاص الطموحون، المنجزون، المعتادون على الاعتماد على أنفسهم،
غالبًا لا يُجبرون على المرونة…
بل يتبنونها.
لأنهم:
لا يريدون أن يكونوا عبئًا
يثقون بقدرتهم على التحمل
يرون التأقلم كدليل قوة
ويؤمنون أن “المرحلة تعدي”
لكن حين تتكرر المرحلة،
ويصبح الاستثناء هو القاعدة،
تتحول المرونة من مهارة…
إلى استنزاف طويل الأمد.
متى نحتاج أن نتوقف ونسأل؟
ليس: كيف أكون أكثر مرونة؟
بل: لماذا يُفترض أن أكون مرنًا طوال الوقت؟
من المستفيد من هذا الطلب المستمر؟
ومن يدفع ثمنه؟
هذه الأسئلة لا تُفسد العمل.
ولا تعني رفض التغيير.
هي فقط تعيد التوازن بين الإنسان والدور.
خاتمة
المرونة ليست المشكلة.
المشكلة أن تصبح الصفة الوحيدة المقبولة.
أن تتحول من اختيار
إلى واجب
إلى معيار غير معلن للنجاح.
ربما حان الوقت أن نعيد تعريف المرونة،
لا كقدرة على الذوبان…
بل كقدرة على التأقلم دون أن نختفي.



